الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة بين "زوجة أخي" لمنية شكري و"البؤساء" للادج لي: مهرجان كان يراوح بين الحميمي والإجتماعي

نشر في  17 ماي 2019  (11:29)

بقلم الناقد طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان

كانت رغبتنا قوية أيضا في اكتشاف شريط منية شكري "زوجة أخي" وكان افتتح قسم "نظرة ما" في الدورة 72 لمهرجان كان. تكرر إسم المخرجة في صحافتنا بسبب أصولها التونسية كما ذُكرت أسماء أخرى كعبد اللطيف كشيش وحفصية الحرزي كما لو تعلق الأمر بلقاء سياسي دُولي يضمّ مبعوثين رسميين، علما وأن هؤلاء الذين ذكرتهم يحملون جنسية أجنبية وقد انصهروا تماما في ثقافة البلاد التي ولدوا أو ترعرعوا فيها وأكدت أعمالهم انخراطها في سياقاتها.

الأمر لافت لأنه مبني على خليط من الشعور الساذج بالإنتماء ومعرفة سطحية بنواميس الفن السينمائي. هذا لا يعني، بالنسبة إليّ، أن لا دخل إطلاقا لأصول المخرج الثقافية والجغرافية في عمله، بل يمكنها أن تضيف شيئا ما في رؤيته، وربما ذلك هو الذي جعلني أنتظر هذا الشريط كغيري من المشاهدين العرب عموما والتونسيين خصوصا، رغبة خفية غير واعية وساذجة في التماس قيمة تضيفها "العبقرية التونسية" للسينما العالمية، لكن لم أجد في « زوجة أخي » ما يستحق الذكر الحسن.

عمل أقرب إلى السيتكوم منه إلى السينما، قد يرّفه على بعض النفوس القلقة ويغذي خزينة المنتج ولكنه مليئ بالكليشيهات المتعلقة بالعائلة والعلاقات التي تربط بين أفرادها. في الفيلم جانب من الترجمة الذاتية ولكن لا إحالة ولو واحدة، لمن كان ينتظر ذلك، إلى الأصول التونسية، التي لا يحق لأحد أن يطالبها بها، لا إحالة واحدة ما عدا اسم الأب واسم الأخ العربيين.

وبصرف النظر على هذا كلّه، تاه العمل في سهولة البورتري العائلي تماما على شاكلة البرامج التلفزية مع التكرار المضحك والإثارة السهلة. وتجدر الإشارة إلى أنّ منية شكري هي بالأساس ممثلة في كندا أين تحظى بشهرة كبيرة خاصة بعد فيلم "الغراميات الخيالية" للمخرج الكندي غزافيي دولان وان اقتربت من هذا الأخير من حيث اهتماهما بالترجمة الذاتية إلا أن عملها لا يرتقي إلى مستوى أعمال غزافيي دولان مهما كان رأينا فيه.

  لنمر دون الخوض في  أسباب اختيار الفيلم في قسم هام من الأقسام الرسمية والتي يمكن بسهولة تصوّرها لما نعلم أن منية شكري تدور في فلك غزافيي دولان وهو من أهم "زبائن" المهرجان.

 

فيلم منتظر أيضا في المسابقة الرسمية وهو "البؤساء" للمخرج لادج لي الذي يلج للمرة الأولى مهرجان كان. لادج لي لا ينتمي لمؤسسة السينمائيين القادمين من العالم الأكاديمي أو الثقافي الرسمي.  فهو ابن الضواحي، عاش وترعرع في مونتفرماي شرق باريس في حي البوسكي واشتهر اثر أحداث 2005 التي عرفتها الضواحي حيث واكبها بكامراه وصوّر فلما وثائقيا حول الموضوع.

ينطلق الفيلم من حادثة عاشها المخرجة وصوّرها: شاب يصاب بطلقة من رجال الشرطة أثارت ضجة كبيرة حينها. يتابع الشريط فرقة أمنية التحق بها عنصر جديد له ثقافة مختلفة على ثقافة الأعوان القدماء فيكتشف، ونحن معه، عالم الشباب المراهق والمهمش في الضواحي وصراعهم مع قوات الامن.

طبعا الفيلم روائي لكنه يقدم إضافة في ابراز الوضع الإجتماعي لفئة من الشعب الفرنسي لا مكان لها في المشهد البصري ومغيبة في المخيال الشعبي. الصورة يقدمها ابن من أبناء هذه الفئة وهذا في ذاته مهم جدّا، وأن يوّفر مهرجان كان مساحة لمثل هذه الأعمال مكسب كبير يجعل من هذا الموعد الثقافي العظيم نافذة مفتوحة على التحولات السوسيولوجية في فرنسا ويعطيه مشروعية اضافية.

وهكذا يكون دور المهرجانات في البلدان الديمقراطية. وهو ما أكده المخرج في العديد من اللقاءات. من الناحية السينمائية البحتة يصعب الإقرار بتميز خاص فالشريط يعيد انتاج أشياء كنا قد شاهدناها في بعض الأفلام السابقة كالحقد لكاسوفيتس مثلا ولكن، ويجدر الإعادة، الأهمية تكمن في الإعادة نظرا لندرة هذه الأعمال. ثم ربما يضاف إلى كل هذا تنوع وجهات النظر في الشريط من خلال الاهتمام بعدد من الشخصيات الحاملة لأبعاد سوسيو ثقافية جديدة. وربما الجديد يكمن في ابراز شحنة الحقد الذي يحرك المراهقين والأطفال الذين يلعبون دورا أساسيا في الفيلم. كل هذا جاء في قالب ديناميكي وناجع وان كان كلاسيكيا نوعا ما.